| فاطمة الرفاعي** |
|
|
|
الإنترنت الفضاء الأرحب للجميع |
تحت دعاوى مكافحة الإرهاب، ومنع الإباحية، وحفظ الهوية، وضمان الاستقرار العام؛ تغلق السلطات الأمنية في عالمنا العربي مئات الآلاف من المواقع الإلكترونية، وتُغيّب في السجون العشرات من المدونين العرب الذين فرُّوا بأفكارهم ومعتقداتهم إلى عالم الإنترنت الواسع، في محاولة لطلب اللجوء الإلكتروني.
فيدُ الأمن لم تترك الشعوب تسعد بهذه الحرية، بل تضيق عليهم في الفضاء الإلكتروني عبر التلصص والمطاردة وإغلاق المواقع، واقتيادهم للسجون أيضًا، بدون إجراءات قانونية في كثير من الأحيان، وفي ظل غياب تشريعات محددة تختص بعقوبات النشر الإلكتروني.
الخصم العنيد
فما يتضح للمراقبين أن شاشات النت أصبحت ميدانًا جديدًا للاشتباك بين الحكومات والمتعطشين للحرية، وأن ثمة خصومة واضحة بين هذه الحكومات والإنترنت. ومع هذا يبقى الإنترنت خصمًا عنيدًا صعب المنال، فكلما أغلقت السلطات موقعًا أو حجبته ظهرت العشرات غيره.
هذا ما يؤكده التقرير الثاني للشبكة العربية لحقوق الإنسان، وعنوانه "خصمٌ عنيد: الإنترنت والحكومات العربية"، والذي تناولته بالنقاش والعرض لجنة الشئون العربية والمتابعة بنقابة الصحافيين المصرية.
تناول التقرير -في رصدٍ تفصيلي- أوضاع الإنترنت في 18 دولة عربية وكيفية تعامل السلطات مع مستخدميه، والذين بلغوا في نهايات عام 2006 الحالي حوالي 26 مليون مستخدم.
وقد أكد إيهاب الزلاقي –الصحفي بجريدة الدستور المصرية والباحث الرئيسي في التقرير– أن العالم العربي يسير في اتجاه تقييد الإنترنت، وأنه لا توجد حرية كاملة أو حقيقية بالنسبة للمستخدمين، وإنما تتفاوت مساحة الحرية من دولة عربية لأخرى ومن فترة زمنية لأخرى.
وأضاف: "كانت الحكومات العربية تدعم وتنشر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات -ومنها الإنترنت- بصفتها وسيلةً لتحسين صورتها أمام العالم، وكمحاولة لجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن هذا الوضع قد انقلب بعد انتشار النت والاستخدام المكثف له من قبل الناشطين في مجالات السياسية وحقوق الإنسان، وغيرها في الدعوة للإصلاح والتغيير الاجتماعي والسياسي".
حماية أم وصاية؟
|
|
|
مسلسل الحصار الإلكتروني للحريات مستمر |
وقد جاءت السعودية على رأس الدول العربية الأشد عداءً للإنترنت، فالقرار الوزاري الذي نصّ على دخول خدمة النت، رقم 163، الصادر في 1997، عهد إلى "مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية" بمهمة إدخال خدمة الإنترنت، وهو نفسه الذي نص على حجب المواقع التي تنافي الدين الحنيف والأنظمة الوطنية، كما نص على تشكيل "لجنة أمنية دائمة للإنترنت" برئاسة وزارة الداخلية تختص بتحديد المواقع المراد حجبها، في حين تقوم مدينة الملك عبد العزيز بتنفيذ طلبات الحجب، ثم انتقلت هذه المهمة إلى هيئة تنظيم الاتصالات في بداية عام 2006.
ولم تحاول السلطات السعودية إخفاء رقابتها للإنترنت، بل إن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أعلنت عن إغلاق 200 ألف موقع بحلول أغسطس 2001.
وتضاعف هذا الرقم ليصل إلى 400 ألف موقع محجوب، وهو ما جعل منظمة "مراسلون بلا حدود" تعطي السعودية جائزة عالمية للرقابة كنوع من الاحتجاج على ما تفعله السعودية.
وقد أكد المسئولون السعوديون أن 95% من المواقع المحجوبة هي مواقع إباحية وغير أخلاقية، وغيرها من المواقع المشبوهة، وهو ما يعني أن هناك 20 ألف موقع أُغلق ولا علاقة لهم بالإباحية.
ومن المواقع المحجوبة لأسباب سياسية مواقع الشيعة، ومنتديات الرأي مثل "الطومار" و"دار الندوة" و"طوى"، وكذلك المواقع السياسية التي تتعارض مع سياسة السعودية وتوجهاتها، وتنتقد أعمال موظفيها، مثل صحيفة "القدس العربي"، وكذلك المواقع الإخبارية مثل موقع "شبكة راصد الإخبارية" والذي ينشر الأخبار المحلية السعودية.
يضاف لذلك مئات المواقع الأخرى مثل: "الحوار المتمدن"، و"الإصلاح"، و"التجديد" اللذَيْن يبُثـّان من لندن، و"وكالة الأخبار السعودية"، و"المعهد السعودي" ويبثان من واشنطن، وموقع صحيفة "الوفاق الإلكترونية"، وحجبت الموقع الإخباري الشهير "إيلاف". كما قامت السلطات بحجب موقع "أمان" المركز العربي للمصادر والمعلومات حول العنف ضد المرأة.
اضبِط مدوِّنًا!
وكان للمدونات السعودية نصيب الأسد في الحجب والملاحقة رغم حداثة ظهورها، كما حدث مع المدونة الشهيرة "سعودي جينز" لـ "أحمد العمران".
وإذا كان حصار الشبكة في السعودية وحجب المواقع يتم بدعوى "حماية الأخلاق" و"مكافحة الإباحية" فقد كشفت دراسة قدمها "د. مشعل القدهي" إلى كلية الملك فهد الأمنية بالرياض، تحت عنوان "الإباحية في الإنترنت والاتصالات والإعلام وأثرها في الفرد والمجتمع والأمن العام"، كشفت أن نسبة 92.69% من مستخدمي الإنترنت في السعودية يتصفحون مواقع إباحية، و7.3% يتصفحون مواقع محظورة كالتي تدعو إلى الإرهاب والإساءة إلى الدين والدولة.
وفي دراسة أخرى أجرتها الأميرة "د. الجوهرة بنت فهد آل سعود" عن الاستخدام الخاطئ للإنترنت وتأثيره على المشاكل الأسرية، كشفت أن نسبة 57.4% من الذكور و63% من عينة النساء كان ارتيادهم للمواقع الإباحية وغرف الدردشة أو المنتديات هو السبب الرئيس الذي أدى إلى الطلاق.
ويُصنف التقرير سوريا كذلك على قائمة الدول المعادية للإنترنت، حيث تسيطر الدولة على وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية. ومنذ بدء استثمار الإنترنت في سوريا تمت صياغة القواعد الأساسية للتعامل مع الشبكة، وتركزت على حجب نوعين من المواقع، أولهما: الإباحية، والثاني: المواقع المعادية.
وبالطبع كان مفهوم "المواقع المعادية" واسعًا للغاية حيث شمل المواقع الإسرائيلية، والمواقع الإسلامية، والمواقع الإخبارية، والمواقع الكردية، والمواقع القريبة من جماعة الإخوان المسلمين مثل: "أخبار الشرق"، وموقع "عرب تايمز". وتم حجب موقع "إسلام أون لاين"، وموقع جريدة "إيلاف الإلكترونية"، وحتى المواقع المعتدلة مثل موقع صحيفة "المشهد السوري" الإلكترونية، كما حجبت الجمعية العلمية السورية الوصول إلى موقع "الدومري"، وهو موقع سوري تتسم كتاباته باحترام كافة الرموز الوطنية.
الحجب وأشياء أخرى
|
|
|
لمن ستكون الجولة الأخيرة؟ |
وليس الحجب وحدَهُ الخطر الأكبر الذي يواجه ناشطي ومستخدمي الإنترنت في سوريا بل هناك السجن والاعتقال، فقد شهد يوم 23 يونيو 2006 الإفراج عن الصحفي الكردي "مسعود حامد" الذي قضى 3 سنوات بالسجن، بعد القبض عليه بتهمة نشر صور على صفحات الإنترنت الكردية لمظاهرة أطفال الكرد.
وما زالت السجون السورية تحتضن عددًا من المواطنين بتهم تتعلق بالنشر الإلكتروني، وهم كثير.. منهم الكاتب الصحفي "محمد غانم" محرر موقع "سوريُّـون".
ورغم استضافة تونس للقمة العالمية لمجتمع المعلومات في الفترة من 16–18 نوفمبر2005، فإن تونس ما زالت تصنَف ضمن أكثر الدول العربية عداوة للإنترنت. فهناك العديد من مواقع معارضة محجوبة، مثل: موقع "البوابة" التابع لحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمال، وموقع "النهضة نت" التابع لحركة النهضة الإسلامية، وموقع "البديل" التابع لحزب العمال الشيوعي المحظور.
ولعل أحدث صور الحجب في تونس هي حجب موقع "المصريون"! وهو موقع إخباري مصري حجبته السلطات نهائيًّا عن المتصفحين في تونس، بدءًا من 15/7/2006، بعد ثلاثة أيام من نشر الموقع تقريرًا حول اكتشاف الإنتربول ليخت فرنسي مسروق في ميناء تونس، لدى صهر الرئيس زين العابدين بن علي.
وكان من الطبيعي في ظل مناخ التقييد للإنترنت في تونس أن ترحب باقتراح تقدم به وزير الداخلية المصري -في أثناء استضافة تونس لمؤتمر وزراء الخارجية العرب– يهدف إلى خلق جماعة ضغط من الحكومات العربية لإغلاق مواقع النت التي تدعم الإرهاب، وتثير الكراهية دون أن يقدم تعريفًا محددًا لماهية الإرهاب. وهو ما يفتح الباب واسعًا لمصادرة حرية التعبير عبر الإنترنت.
وقد أعلنت 17 منظمة حقوقية رفضَها لمحاولة وزراء الداخلية العرب سن تشريعات تمنحهم حق إغلاق مواقع الإنترنت، تحت مزاعم مكافحة الإرهاب.
احجب.. اخترق
أما بالنسبة لمصر، فإن الحكومة المصرية لا تمارس "الحجب الشامل" على الإنترنت. ويتم حجب المواقع "في صمت، ودون إعلان".
ومن أشهر المواقع الذي شهدت عملية حجب في مصر موقع "إخوان أون لاين" وهو الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه بعد حجب الموقع تمكن الإخوان من إنشاء أكثر من 18 موقعًا يعبر عنهم، وهو ما اضطر السلطات لفك الحجب عن الموقع الرئيسي.
وكذلك شهد موقع "جريدة الشعب" الإلكتروني، ومنتدى "شئون مصرية"، وموقع "جبهة إنقاذ مصر".
وبالطريقة نفسها تم حجب موقع "منتديات حرية" عن المتصفحين في مصر، وكان المنتدى قد أطلق حملة إلكترونية بعنوان "لا لجمال مبارك.. لا للتوريث"، وكانت واحدة من أولى الحملات التي تعارض فكرة التوريث علانية.
كما تطرق التقرير بالتفصيل إلى أوضاع الإنترنت في الإمارات والبحرين والجزائر والسودان وعمان وقطر والكويت ولبنان وليبيا والمغرب، وهي أوضاع في مجملها تتلخص في أحكام السيطرة على الإنترنت ومحاولة تقييده، بالحجب أحيانًا، وبالاعتقال والسجن للناشطين أحيانًا أخرى.
وتعرض التقرير بشكل تفصيلي لأوضاع الإنترنت في الدول العربية المحتلة مثل فلسطين والعراق، حيث يمارس الرقابة على المواقع والإنترنت أصحاب مقاهي النت.
الأسد وقرصة البعوضة
خصص التقرير بابًا مفصلاً عن المدونات العربية، التي تعتبر صداعًا في رأس الأنظمة العربية، لقدرة أصحابها على الكشف عن عورات مجتمعاتهم وتعريتها من خلال تعبيرهم عن هممهم الشخصية والعامة.
وقد بلغ عدد المدونات العربية 40 ألف مدونة عربية، أنشئ أغلبها في عام 2006، في حين تتضمن شبكة الإنترنت 37 مليون مدونة. وقد فاق تأثير المدونات في عالمنا العربي كل الحدود فقد أصبحت أداة لكشف المسكوت عنه، ومن أهم المدونات التي تعرض بعضها للحجب "ابن كريشان" من الإمارات، وهي تتناول هموم البهائيين في مصر، ومدونة "محمد حنفي" بالمغرب، و"مدونة بهية"، و"الوعي المصري" في مصر، ومدونة "محمود اليوسف" من البحرين.
ومن الظواهر الملفتة للنظر بالنسبة للمدونات العربية انتشار اللغة العامية، واستخدام تعبيرات غير المعتادة في أوساط الكتاب والصحافيين، ولكنها منتشرة بين الشباب في المقاهي، وهو ما شجع الشباب على إنشاء مدوناتهم بلغتهم الخاصة، بعيدًا عن آداب الكتابة، وإطلاق أسماء غير معتادة على المدونات مثل مدونة "حارة أبيح أفندي النص" و"طفاية سجاير"، وغيرها.
** صحفية مصرية.




