الإباحية تترصد الشباب والأطفال المغاربة
العلم -
هذه الإباحية التي تترصدنا من جهة، وفي كل حين، نتعب في البحث عن التخلص منها، لكنها تفلح في تشديد الخناق على الجميع.
إنها تؤشر على انتصار قيم الانحلال والتفسخ على قيم الإنسانية النبيلة التي تنظر للفرد ككائن متوازن، عاقل، لا كآلة لا تملك عقلا ولا عاطفة، تدوس برغبة أكثر من حيوانية كل ما أفرزه التاريخ البشري من أشياء جميلة.
انظروا، ها هي أيادي الإباحية الآثمة امتدت إلى الأطفال، فحتى تلك العبر الجميلة التي كانت تلتقطها سريرة الأطفال البريئة لم تعد غير قصص بورنوغرافية خبيثة، محتمة علينا أن نبحث عن شيء جميل آخر.

إنها العولمة كما تحاول قوى الليبرالية المتوحشة أن تشد بها رقاب العالم، وهي تتوقف أساسا على تدمير إنسانية الإنسان، فهي تريده آلة إنتاج مجردة من العقل ومن العاطفة، هذا ما يفسر على الأقل كون أن التكنولوجيا الحديثة خصوصا الأنترنيت يجب أن تكون خاضعة لخدمة هذه الفلسفة الجديدة. ماذا يمكن أن نفعل في المقابل، ما هي آليات ومناهج التصدي لقوى الشر التي تجتهد لإفراغ العالم من محتواه الإنساني؟ مع الأسف، نحن ضعاف العالم لا نملك قوة موازية تجعل المواجهة متوازية، لا نملك إلا أن نسعى إلى العمل على تقوية النزعة الإنسانية للفرد من خلال تجذير القيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية، نحن في حاجة إلى حركة إنسانية مضادة تعترف للإنسان بإنسيته وتضع التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا لتدمير هذا الإنسان.
ع. الله البقالي
من فضائيات الجنس، إلى جنس متاح للجميع!
جمال الموساوي
في بداية الثمانينيات كانت القناة الإسبانية الأولى TVE1 تقدم كل يوم جمعة ضمن سينما منتصف الليل "cinémedia noché" أفلاماً جنسية. أفلاما بأربع معينات في الجانب الأيمن أعلى الشاشة. وكانت تلك العلامة تؤدي وظيفة تلك الدوائر والمربعات التي نشاهدها اليوم في الفضائيات (أقل من 10 سنوات، أقل من 12 سنة وأكثر من 18 سنة). وكنا نركب مراهقتنا ونتلصص على آبائنا أنا موا أم لا كي نتسلل إلى تحت تلك المعينات الأربعة، حريصين على ذلك كل ليلة جمعة.
مع الوقت، والغزو الفضائي الذي جاء دفعة واحدة، وظهور قنوات تعرض ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، بحيث فاقت ما كانت تحذّر منه المعينات المعلومة في القناة الإسبانية، وجدنا أنفسنا أكثر نضجا ولم نُخترق إلى الحدّ الأسوأ ، لكنّ هذه الطفرة وجدت هشاشة لدى فئات واسعةً أدمنت السَّهر إلى أواخر الليل، وكانت تنتابها موجات من الكآبة عندما تبدل هذه القنوات شفراتها فنجدها في طوابير طويلة أمام حملات القرصنة التي كانت توفر خدماتها بأسعار زهيدة جدا.
صار الهوس مضاعفا، ذلك أن الجنس الذي يقدم على هذه القنوات ليست له حدود، وقد ولد ذلك لدى الكثيرين إحساسا بالخوف على مستقبل أبنائهم النفسي والدراسي والجنسي والأخلاقي مما دفعهم إلى فرض رقابة صارمة على أجهزة الاستقبال سواء بالكود أو بتثبيته على النايل سات حيث القنوات العربية »محترمة« بما في ذلك القنوات الغنائية التي صارت أقرب إلى الستريبتيز لكنها أهون من غيرها على أي حال.
بيد أن المشكلة لم تنحسر. أكثر من ذلك تفاقمت بشكل تصعب معه الرقابة بل تستحيل مع انتشار الانترنت على نطاق واسع، وظهور فضاءات الانترنت cybers التي نبتت كالفطر حتى صار ينطبق عليها ما كان يقال عن المقاهي. بين سيبير وسيبير سيبير، حيث وفرت حرية واسعة لمرتاديها حتى أن البعض منها تفنن في إبداع »أقفاص« تجعل الزبون في خلوة تامة بنفسه والحِسانَ يقلن له من الشاشة هيت لك.
لكن ما هو أنكى من ذلك أن المرء أحيانا يجبر على الدخول إلى نطاقات Domaines لم يكن يريدها، حيث يجد نفسه أمام »انفجار« كبير على الشاشة لمواقع إباحية بينما هو يريد تصفح جريدة أو القيام ببحث من أي نوع. وقد أشارت بعض الدراسات لمختصين إلى أن هناك عشرات الملايين من المواقع الإباحية على الأنترنت، أغلبها لا يحذر الذين يقدمون على الولوج إليها، من مضمونها البورنوغرافي، وبالتالي لأشترط ذلك الشرط الذي مفاده »للدخول إلى هذا الموقع ينبغي أن تكون راشدا أو بالغا من العمر 18 سنة«، وهذا يمكنه أن يسبب صدمة لطفل بريء أو لمراهق يحاول أن يتكيف مع تغيراته الفيزيولوجية دون مؤثرات خارجية، كما قد يجعل الراشد نفسه في حرج إذا كان يشتغل في محفل من أهله في البيت أو معارفه في التسيير.
إننا ولاعتبارات تتعلق بالتربية والأخلاق، لا نستغل الشبكة العنكبوتية بالشكل الذي يليق بها كمصدر معلومات هائل وحامل للمعرفة جعل كل شيء متاح، وإنما نعمد في الأغلب الأعم إلى تقوية نزواتنا والبحث عن متع افتراضية وأحيانا حقيقية. ويكفي الدخول إلى مواقع للشات المباشر لكي نلمس ذلك بتجربة بسيطة. فالدخول إلى هذه المواقع باسم أنثى يجعل الطلبات عليك لانهائية، يطلبك الذكور ويعلنون عن دعوات وعن رغبات ويسألون أين تقيم وكيف السبيل الى اللقاء وغير ذلك، كما تطلبك إناث يقلن إنهن سحاقيات ويرغبن في لقاء فتاة العمر الى غير ذلك من الأهواء، بينما لايكلف أحد نفسه عناء إلقاء التحية إليك إن ولجت إلى الموقع باسم ذكر.
وفي ظل الانتشار الواسع إذن للانترنت والاقبال عليه خاصة في الفضاءات الخارجية المخصصة له والتي يقبل عليها رواد من كل الأعمار بات من الضروري التفكير في ماهو أبعد من الرقابة المباشرة، لأنها لم تعد ممكنة كما كان عليه الأمر مع القنوات الفضائية، وهو من يفرض وعيا مضاعفا بخطورة الوضع، وتفكيرا أكثر اتزانا باتجاه الرقي بالذوق العام من الدرك الذي آل إليه، وهنا تبرز ضرورة أن تلعب المؤسسات التربوية التقليدية دورها كاملا وبشكل خاص الأسرة والمدرسة اللتان من شأنهما زرع بذور الوعي بالأشياء والتمييز بين السيء والأقل سوءا والجيد منها، وفي غياب دور هاتين المؤسستين في توجيه الطفل والمراهق للاستفادة أكثر فأكثر مما يتاح له، فلن يكون أمام هؤلاء إلا التقاط الشائع والسائد في الشارع والانسياق معه، فعليهما إثارة الجوانب الإيجابية للأنترنت، وعدم الإثارة ضده جملة وتفصيلا حتى لايدخل في سياق الممنوع المطلوب، علما أن من جملة ما تتميز به الأجيال الجديدة من الأطفال والمراهقين أن كل ثقافتهم هي ثقافة بصرية سواء من الأقراص المدمجة أو من الانترنت، حيث انتفت لديهم الرغبة في قراءة الكتب والمطبوعات، ويبدو من المهم الرجوع والعمل على تنمية هذا الجانب لأنه أكثر أمانا.
ولعل من المفيد في هذا الجانب أيضا أن يتحلى أصحاب فضاءات الأنترنت بالوعي اللازم بخطورة أن تتحول فضاءاتهم الى نوع من المواخير الافتراضية، ويكبحوا رغبتهم في جني الأرباح واستقطاب الزبناء فقط، مادام أن هناك فائض في الزبناء ولايحتاج استقطابهم الى »مؤثرات جنسية«. إن أصحاب هذه الفضاءات مؤهلون بشكل جيد لفرض الرقابة على تسويق المواقع الجنسية. الرقابة التي لم تعد ممارستها متاحة للآباء في وقت أصبح فيه تأثير الأسرة على أبنائها يتقلص شيئا فشيئا. وقد يتلاشى في المستقبل بشكل نهائي.
المصدر صحيفة العلم المغربية

