الإنترنت. . حبي ، طفلي . . ودراستي
حين توصد الأبواب والطرق
وتنقطع بك وسائل الاتصال بمن يغلو على قلبك، حين ترنو لرؤية طفلك الأول أو
أمك التي ودعتها منذ سنوات عدة لتقول أنك ستعود بعد انقضاء الإجازة وبفعل
الحصار لا تقوى على الرجوع، ماذا تفعل؟
قد يقف البعض عاجزاً عن فعل شيء سوى البوح بعبارات الشوق والحنين لأهله عبر
رسالة ورقية قد تصل وقد تتأخر وأحياناً كثيرة لا تصل أبداً؛ الكثير من
الفلسطينيين وجدوا ملاذهم الهام في التواجد على الشبكة العنكوبتية بالأساس
من أجل التواصل الاجتماعي مع الأهل في العالم البعيد عن حدود فلسطين
المحتلة.
فهذا طالب تحدى قهر
المحتل الذي منعه مطولاً من العودة إلى دراسته، فكانت وسيلته هي الانترنت
ليتواصل عبر برامج الشات الصوتية مع من تركهم ووعد الالتقاء بهم مجدداً.
وأب فلسطيني يري طفله الأول عبر كاميرا الشبكة وهو بعيد عنه مع أمه
النازحة ، وأخر يرسل صور زفافه عبر الانترنت لأمه وأخواته .
التحقيق التالي لـ " كل الطلبة " يرصد بعضا من حكايا الفلسطينيين مع الانترنت ..
![]() |
|
الإنترنت بالنسبة لهم أكثر من مجرد ثقافة أو ترفيه |
الماسنجر كان الوسيلة، أما الغاية فهي التواصل مع المدرسين والأصدقاء الذين حرمته ظروف انتفاضة الأقصى ،وما نجم عنها من سياسات إغلاق تعسفية من العودة أو مغادرة القطاع من مواصلة مسيرته التعليمة معهم ، والحال هو للفلسطيني "حسام " - 23عاماً - طالب يدرس الإعلام في معهد الجامعة الدول العربية بمصر.
يقول حسام " أتيت
لأقضي إجازة الصيف عند أهلي بغزة ، فقد طالت غربتي عنهم شعرت بأني أحتاجهم
يشاركوني نجاحي فكان القرار الذي كلفني ضياع سنة كاملة من الدراسة، عدت إلى
قطاع غزة على أمل أن أعود مجدداً لإكمال دراستي لكن القدر كان أقوى من
إرادتي، بل أن سياسة المحتل كانت أبشع فبعد أن عدنا أصدروا قراراً بمنع من
تقل أعمارهم عن 35 من السفر عبر معبر رفح الطريق الوحيد أمام المسافرين ".
ويضيف " مرت الشهور وبدأت الدراسة ، تقدمت كغيري من الطلبة بالتماسات
كثيرة للسماح لنا بالمرور والعودة إلى مقاعدنا الدراسية لكن دون جدوى، لم
أجد حلاً للتواصل مع إدارة المعهد إلا الانترنت الذي كان وسيلتي للتواصل
كنت أبعث بإلتماسات حتى لا يتم فصلي خاصة أنني مسجل نظامي وليس انتساب وقد
أفادني ذلك كثيراً .
أما عن تواصل حسام مع زملاء دراسته وعالمه في بلد الدراسة فأيضاً كان عبر الانترنت ، يقول حسام " كانت الحاجة ماسة لمتابعة كافة أمور الدراسة ، ولم أجد وسيلة غير الانترنت للتواصل مع كل شيء الزملاء والمنهج الدراسي ومجتمع المعهد ، كنت أطلع على كل الأمور بشكل سريع من خلال الحديث عبر الانترنت مع المدرسين والزملاء وأنا يوميا متواجد على الشبكة من أجل ذلك وهذا ما خفف عليّ الكثير من الألم ".
رأى
طفله الأول عبر الكاميرا
إن
حرمت من دراستك عام، فإنك ستحاول أن تعوض ذلك بنجاح وتفوق قادم، أما إن
حرمت من أن تحمل طفلك الأول بين ذراعيك وتغمره بحنان أبوتك وعطفك كيف سيكون
حالك؟ .
الأب الشاب محمد مصطفى
-28 عاماً - حرمته قوات الاحتلال من أن يضم ابنه الأول في لحظات ميلاده
الأولى بسبب قرارها المجحف بمنع الفلسطينيين الذين تقل أعمارهم عن 35 من
السفر عبر معبر رفح، وجدته في إحدى مقاهي الانترنت المنتشرة في غزة كانت
أمامه صورة لطفل لم يتجاوز الأسبوع من عمره كان يحدق بها مطولاً لم يخف
دمعته التي انسدلت على وجهه دون إذنه، كما لم يخف شعور أبوته فما هي إلا
لحظات أتم فيها طباعة الصورة حتى ضمها إلى قلبه مطولاً وراح يقبل كل جزء
من وجه طفله الملائكي البريء ، عندها اقتربت منه متسائلا عن هذا الطفل
الجميل، حيث قال : " لا تستغرب فهذا ابني الأول .. ولد بعيداً عني كنت
أتمنى أن أكون أول بشر يحمله بين كفيه، كنت أود أن أُكبر له في أذنه كما
فعل لي أبي سابقاً
عندما
كنت وليداً، لكني لم أستطع، لم ينتظر حتى أسأله لماذا ، كانت إجابته جاهزة
على لسانه الذي تعب من الشكوى والكلام :" منعت من السفر لزوجتى النازحة
والتي تعيش بالأردن ولا يمكن أن تدخل غزة حيث أنا ويوضح "لم أستطع التواصل
مع زوجتي عبر الهاتف نظراً لغلاء ثمن المكالمة الدولية هنا، لم أجد أمامي
وسيلة سوى الانترنت نتفق على ساعة معينة ألتقي فيها عبر الشاشة الإلكتروني،
ورغم بعد المسافة إلا أنها كانت تجمعنا، أراها وتراني أبوح لها بحزني
وتبادلني الألم والمعاناة عبر الانترنت ".
يصمت قليلاً ثم يقول " في المرة الأخيرة التي رأيتها فيها بالعريش أي قبل
عودتي لغزة وصدور القرار ، وعندما علمت بحملها قلت لها أني سأنهي كل
ارتباطاتي في غزة وأعود إليك لنعيش سوياً في الأردن أو العريش ".
حفل زفاف عبر الانترنت
![]() |
|
شعب تجمع من شتات ، وآخر تشرد وكتب عليه الشتات !! يالها من مفارقة ! |
تتعدد القصص
والحكايات ،لكن الألم واحد والجرح واحد هو البعاد والفراق القسري بين
الفلسطينيين في الداخل والخارج، فهذا تامر عبد الله, له معاناة أخرى ،أتى
من مصر إلى غزة لزيارة أقاربه لكنه لم يستطيع الخروج منها لأنه لا يملك
الهوية الإسرائيلية التي تمنحه حسب قرارات قوات الاحتلال الإسرائيلي حرية
التنقل والحركة.
يقول تامر " كتب عليَّ أن أبقى هنا وحيداً بعيداً عن أمي وأخواني، كانت
وسيلتي الوحيدة للتواصل مع أمي وإخوتي هناك في مصر هي الانترنت أتحدث إليهم
عبر الماسنجر ، أرسل لهم بصوري ويرسلون لي صورهم ".
ويستطرد تامر قائلاً" مرت سنوات الانتفاضة الأربعة وأنا انتظر استصدار
البطاقة لكن دون جدوى ، عملت في إحدى الشركات وقابلت شريكة حياتي التي
تزوجت بها مؤخراً "، يصمت قليلاً ثم يقول " كنت أحلم بأن تشاركني أمي هذه
اللحظة وكنت حريص على أن أسجل حفل الزفاف بتفاصيله صوراً لأرسلها لهم عبر
البريد الإلكتروني ... أعرف أنه لا تكفي الصور ولكن هذه حياتنا أفراحنا
نسجلها صوراً ونبعث بها ، وأنا شخصيا أصر على استخدام الانترنت في تواصلي
معهم فهو الأوفر والأسهل لنا وهو الذي يهون علينا فراقهم ".
عن موقع طلاب جامعة القاهرة



