الإنترنت تعيد تعريف القراءة والكتابة!

محمد سالم ـ الرياض
تتآخى دائمًا طبيعة تعلم القراءة والكتابة بصورة وثيقة مع
طبيعة تقنية الاتصالات المستخدمة في أي فترة تاريخية. فكما
أشار كل من ليو وكينذر Leu and Kinzer في كتابهما (2000م)
فإن تقنيات الكتابة المسمارية (كالتي استخدمها الفارسيون
والآشوريون وتقنيات أوراق البردي والكتابة عليها في مصر وفي
حضارات أخرى وتقنيات العصور الوسطى في أوروبا وتقنيات
الطباعة التي طورها جوتنبرج Gutenberg حددت ملامح خاصة بتعلم
القراءة والكتابة لاستخدام هذه التقنيات بصورة فعالة. ولنأخذ
في الحسبان تلك الروابط بين تقنيات تعلم القراءة والكتابة
والتدريس، فكل تقنية من تقنيات تعلم القراءة والكتابة لكونها
مرتبطة بالسياق والنسق الثقافي الذي ظهرت فيه قد حددت ملامح
مهمة من تعلم القراءة.
فعلينا مثلاً أن نلاحظ التأثير الذي أحدثته تقنيات صناعة
الكتاب على الانتشار الواسع للطباعة والمواد المطبوعة
والعواقب المتلازمة لهذا الأمر في انتشار المزيد من تعليم
القراءة والكتابة على مستوى العالم، وذلك لنضع هذه العلاقة
في نصابها.. فتقنيات القراءة والكتابة وتعليمهما مرتبطتان
بعضهما ببعض ارتباطًا وثيقًا، ومن المحتمل أن يكون أحدث
مثالاً لهذا الارتباط وأكثر النماذج قوة هو نموذج العلاقة
اليومية بين المعلومات التي تبثها الأقمار الصناعية عبر
شبكاتها وتقنيات الاتصال مثل شبكة الإنترنت تحديدًا وعلى وجه
الخصوص. فلقد غيرت الإنترنت من تعريف القراءة والكتابة
بتقديمها قراءً وكتابًا للنصوص الإلكترونية، التي تتضمن
ملامح ليست تمامًا طبق الأصل لما نجده في كتابات النثر
التقليدي المكتوب (Bolter, 1998, Reinking, 1998, Reinking,
Labbo, & McKenna, 1997) وهكذا فإن القدرة على الاتصال
والتفاهم من خلال الأشكال المفهومة وذات الدلالة ومن خلال
أجهزة الفيديو ووسائل النطق الرقمية ووسائل الاتصال المتفوقة
ومصادر المعلومات الأخرى تتطلب تنمية مهارات جديدة للقراءة
والكتابة، كما تتطلب إيجاد فرص جديدة لتعلم القراءة
والكتابة.
وعلى الرغم من أن البعض قد يجادل أو يشكك في علاقة الإنترنت
بتعليم وتعلم القراءة والكتابة فإن ليو وكينذر Leu and
Kinzer (2000م) يؤيدان ويدعمان بشدة هذين التكوينين
(الإنترنت وتعلم القراءة والكتابة) شارحين لهذا الأمر
بقولهما: «إن الإنترنت تدخل الآن فصولنا وقاعات الدراسة
لدينا، وحيث إننا نشهد المعارف الجديدة التي تسمح بها تقنيات
الإنترنت، فإنه من المحتم والضروري أن يلتقي تعلم المعارف
الجديدة مع تعلم القراءة والكتابة عبر الإنترنت».
بالإضافة إلى هذا فإنهما أكدا أن اقتصاديات المعرفة العالمية
ستتطلب من الدارسين أن يكونوا على استعداد لاستخدام تقنيات
شبكة الإنترنت حتى يستطيعوا أن يقوموا بجمع وتقويم المعلومات
على وجه السرعة، ويستغلوها في حل المشكلات.
فمن المحتم أن متطلبات العمل في اقتصاديات المعلومات يتطلب
دارسين وطلابًا أكفاء في استخدام قواعد القراءة والكتابة
للإنترنت.
لقد أشارت الإحصاءات الصادرة عن المركز القومي الأمريكي
للإحصاء التعلمي (2000م) إلى أن نسبة 63% من فصول التعليم
متصلة بالإنترنت، وذلك خلال الفصل الدراسي الأول لعام 1999م،
وهذا يعد أكثر من ضعف عدد الفصول التي كانت متصلة بالإنترنت
قبل عامين من هذا التاريخ. ولسوء الطالع فإن المعلمين لم
يكونوا معدين أو مستعدين لاستخدام هذه التقنيات المعرفية
والمعلوماتية الجديدة، كما لم يكونوا معدين لتدريس الأطفال
كيف يستخدمون هذه التقنيات بصورة فعالة، فقد كشف استطلاع
قومي أمريكي حديث أن نسبة 80% من المعلمين لا يشعرون أنهم
معدون الإعداد الجيد لاستخدام هذه التقنية التعليمية في
تدريسهم (National Center for Education Statistic, 1999)
وتؤكد ذلك مجلة فورم Forum (1999م) حيث تشير إلى أن الولايات
المتحدة الأمريكية خلال العام الدراسي 1998م ـ 1999م قد صرفت
في المدارس على اتصالات الإنترنت وأجهزة الحاسب الآلي
وبرامجها التعليمية عشرة أضعاف تلك المبالغ التي صرفتها على
تدريب المعلمين!
وقد ناقش كل من ليو وكينذر Leu and Kinzer (2000م) فكرة أن
المعلومات التي تبثها شبكة الإنترنت وتقنيات الاتصالات قد
أصبحت جزءًا أساسيًا من مكونات ومقومات النظم التعليمية، وأن
آثارهم على التدريس وطرقه أمست أمرًا حتميًا. ولهذا بدأت
أوساط البحث ومجتمع البحوث بفحص واختبار كيف أن مثل هذه
التقنيات تؤثر في أمور التدريس والتعليم. وعلى أي الأحوال
فإن مقدار استخدام الإنترنت في حجرات الدراسة في جميع أرجاء
العالم يختلف ويتباين بناء على عدة عوامل مثل التمويل اللازم
لهذا، وسياسة الإدارات التعليمية، ومدى اهتمام المعلمين
باستخدام التقنية مع طلابهم. هذه العوامل ستؤثر بصورة واضحة
في مدى التقارب بين تقنيات الإنترنت وعملية تعليم القراءة
والكتابة. وبالنظر إلى البحوث والدراسات يتضح إجراء عدد
محدود من الدراسات في هذا المجال، ففي الطبعة الثالثة من
كتاب (دليل بحوث القراءة) ناقش مؤلفوه كميل وإنترانتور وكيم
Kamil, Intrator, and Kim (2000م) أمر قلة عدد البحوث الخاصة
والمرتبطة بالقراءة والكتابة والتقنية التكنولوجية، مشيرين
إلى حقيقة مؤداها أنه قد تم نشر نسبة ضئيلة للغاية من
المقالات البحثية في هذا المجال في دوريات وصحف التعليم.
وقدموا صورة سريعة لأكثر الموضوعات المألوفة التي تمت
كتابتها في مجال البحث القائم والموجود، مشيرين كذلك إلى
مناطق محدودة مثل: أثر الحاسب الآلي والكتابة والوسائط
المتعددة على التعليم، في حين لم يتم رصد أو تسجيل دراسات
أجريت على المعارف الجديدة للإنترنت أو إعداد المعلم وتدريبه
في هذا المجال، ولربما يرجع هذا إلى أن التغيرات الحادثة في
طبيعة تعليم القراءة والكتابة هي تغيرات حديثة للغاية ومتاح
فيها كم ضئيل للغاية من المعلومات.
إعادة تعريف
إن أحد المكونات المهمة والدقيقة لمصادر المعلومات التي
تبثها الشبكات الإلكترونية مثل شبكة الإنترنت هي النصوص
الإلكترونية، وهي الوسيلة التي يتم عن طريقها الاتصالات. فقد
افترض العديد من الباحثين مثل (Bruce, 1997, Leu, 2000,
Reinking, 1995, Reinking et al. 1997) أن اللمسات والخصائص
المميزة لهذه النصوص تعيد تعريف القراءة والكتابة، وذلك
بتقديم طرائق جديدة في تعلمهما. وقد فسر ذلك رينكينج
Reinking (1998م) بقوله: إن أشكال وأنماط التعبير الرقمية
تحل محل الأشكال والأنماط المطبوعة بصورة متزايدة، وإن هناك
اتفاقًا جماعيًا في هذا الشأن، وإن لهذا التحول عواقب ونتائج
على طريقة تبادلنا، ونشرنا لهذه المعلومات بصورة واسعة، وعلى
المنحى الذي نتخذه نحو مهمة تعليم القراءة والكتابة.
وبداية، فإن النصوص المطبوعة هي نصوص ثابتة، في حين أن
النصوص الإلكترونية هي نصوص يمكن صياغتها وتشكيلها وتبادلها
بصورة مستمرة بين الحاسب الآلي ومستخدميه (Kaplan, 1991).
فاستخدام المساعدات والتعزيزات الإلكترونية مثل تعلم النطق
بالنظام الرقمي (ديجيتال)، ورسم الأشكال والصور المختلفة
بأبعادها واستخدام الفيديو هي أمثلة ونماذج لإمكانية السيطرة
والتعامل بمهارة مع المادة والنصوص المقروءة وتعديلها على
الحاسب الآلي. وقد بحث العديد من الباحثين في الاختلافات بين
النصوص الإلكترونية والنصوص المطبوعة وأوجه الاختلاف بينها.
فعلى سبيل المثال قام كل من رينكينج وريكمان Reinking and
Rikman (1990م) بفحص تحصيل ستة طلاب في اختبار المفردات
اللغوية حينما قاموا بقراءة نصوص إلكترونية بها معان للكلمات
الصعبة. ووجد أن هؤلاء الطلاب الذين استخدموا نصوصًا
إلكترونية أخرجها الحاسب الآلي قد سجلوا درجات أعلى في
اختبارات المتابعة للمفردات اللغوية أكثر من أقرانهم الذين
قرؤوا نصوصًا مطبوعة باستخدام المعاجم والقواميس. وبالمثل في
دراستهم على طلاب في المرحلة المتوسطة وجد أندرسون إينمان
وهورني Anderson- Inman and Horney (1993م) أن القارئين
الذين كانت تواجههم صعوبات واستغلوا المصادر الإلكترونية
المتاحة مثل النطق بالنظام الرقمي (الديجيتال) والصور
الرقمية المرسلة قد حققوا درجات في قطع الفهم أعلى من
أقرانهم الذين لم يستخدموا مساعدات النصوص الإلكترونية.
سمة مميزة أخرى وملمح آخر من سمات النصوص الإلكترونية،
فالرسوم والأشكال الإلكترونية تعتبر جزءًا مكونًا للنص في
حين تعتبر مواد تكميلية عند دمجها الكتابة التقليدية. إن هذه
السمات المميزة للنصوص الإلكترونية لها تضمينات ليس في
القراءة فقط، بل وفي الكتابة أيضًا. فلقد وجد كل من بيكر
وكينذر Baker and Kinzer (1998م) في دراستهم لتلاميذ فصل في
المستوى الرابع كان غنيًا بالتقنية أن التلاميذ الذين كانت
لديهم صعوبات في عمل رسوم باليد استطاعوا أن يكوّنوا صورًا
باستخدام التقنية فكانت رسومات الجرافيت التي كونت بوساطة
الحاسب الآلي تستخدم لتكمل المعاني في كتاباتهم.
لدى النصوص الإلكترونية القدرة على الدخول على مصادر متعددة
ومتصلة بأوساط على شبكات الإنترنت. فعندما يرتبط القراء
بنصوص مطبوعة فإنهم يكونوا محدودين بحدود ما هو مكتوب على
الورق أمامهم، لكن في النصوص الإلكترونية وتزال هذه الحدود
وتتاح الفرصة للقارئ لأن يتصل بسهولة بالمواد والمصادر ذات
الصلة بما يقرأ أو يكتب. إن مظهرًا وسمة مميزة رابعة للنصوص
الإلكترونية هي أنها لا تتبع تنظيم وتنسيق الأسطر التقليدية
نفسها ولا نفس نسق تصفيف الأسطر المعتاد، كما هو الحال في
النصوص المطبوعة (Reinking et al, 1997) فبدلاً من ذلك تسمح
النصوص الإلكترونية للقراء أن ينتقلوا من صفحة إلى أخرى
باستخدام الروابط الإلكترونية. لذا ليس هناك ترتيب محدد يجب
أن تتبعه النصوص الإلكترونية. فقراء تلك النصوص يتوفر لهم
أدوار أكثر نشاطًا وفاعلية في عملية القراءة حينما يبحرون في
قراءة نص إلكتروني وينتقلون من نص إلى آخر.
يتضح مما سبق أن النصوص الإلكترونية تختلف عن النصوص
المطبوعة في عدة أوجه. فالنصوص الإلكترونية:
* يمكن تبادلها ويسهل تشكيلها وصياغتها.
* تتضمن وسائل صوتية مرئية مساعدة تدخلها في النص.
* يسهل ربطها بالنصوص الأخرى ذات العلاقة بها.
* تصدر وتنتج تكوينات نصية مختلفة وبديلة. فمع الاستخدام
المتزايد للنصوص الرقمية (الإلكترونية) فإن التعلم الآن
يتضمن القدرة على تصفح شبكة الإنترنت والخوض فيها وتمييز
العديد من سماتها ومظاهرها، وهو الأمر الذي يجعل النصوص
الإلكترونية منفصلة ومختلفة عن الكتابة التقليدية والنصوص
النمطية، فلم يعد التعلم يعتمد على التعامل بصورة منفردة مع
الصفحة المكتوبة أحادية البعد.
وإذا كان من المتوقع أن يستخدم المعلمون تقنيات الاتصالات
والمعلومات في فصولهم الدراسية، فإنه يجب على المسؤولين عن
إعداد المعلم أن يقوموا بتصميم برامج تعليمية مناسبة، والتي
بها يمكن أن يعلموهم ليس أساسيات الحاسب الآلي فقط، بل
يعلمونهم كيفية استخدام الإنترنت بالفعل بنجاح في مناهجهم
الدراسية، ومعرفة إلى أين يمكن أن تقودنا التقنيات.
المصدر : مجلة المعرفة

