في كتابة العربية بالحرف اللاتيني
بقلم محمد الصاوي
البحث في
كتابة العربية بالحروف اللاتينية بحث مبرر، بسبب أن واقعًا
جديدًا فرض نفسه بعيدًا عن التربويين وعن مجامع اللغة
العربية. إنه واقع (الإنترنت). ففي مواقع شتى يكتب الشباب
العربية بالحروف اللاتينية. هؤلاء توصلوا وحدهم إلى أعراف
موحَّدَة عن طريقة كتابة العربية بالحروف اللاتينية، فحرف
الخاء يستعاض عنه برقم 5، و العين برقم 3 و الحاء 7 ،
والطاء6 ، وهؤلاء يمكن أن نطلق عليهم (العرب المستغربة )،
فلا هم أجادوا اللغة الإنجليزية وتحدثوا بها، ولا هم أنصفوا
اللغة العربية وتعاملوا بها ليجبروا العالم على احترامها.
وصار مألوفًا على الشبكة أن تقرأ: assalamo alaykom. وشاعت
هذه الطريقة وبخاصة في تسمية الملفات، بسبب أن بعض الحاسبات
لا تتعرف على الحرف العربي في أسماء الملفات. وليس أمرًا
نادرًا أن تقرأ لأحدهم يعتذر بسبب أن لوحة المفاتيح لديه لا
تتعرف على الحرف العربي، فهو إما يكتب بالإنجليزية، وإما
يكتب الكلمات العربية بالحروف اللاتينية.
وقد أعيدت طباعة كتاب «الحروف اللاتينية لكتابة العربية»
لعبدالعزيز فهمي، بعد نصف قرن من صدوره أول مرة سنة 1944م،
وبعد أن أغلق مجمع اللغة العربية الملف برفض الاقتراح جملة
وتفصيلاً. وطبعة الكتاب الجديدة غير مؤرخة، لكنها تحمل رقم
إيداع يدل على أنه طبع سنة 1993م أو بعدها.
التصور الحاكم paradigm
عندما كتب أمين الخولي كتابه «مشكلات حياتنا اللغوية»، كان
حريصًا على أن يضع عنوانًا عامًا هو: «من هدي القرآن». وكذلك
فعل مالك بن نبي، عندما أصدر معظم كتاباته تحت عنوان عام هو
«مشكلات الحضارة».
والمعنى المستخلص من العنوان العام في المثالين السابقين هو
وجوب الانطلاق من ركيزة أو رؤية كلية، أو مرجعية هادية تعصم
المرء من الزلل، وتصونه من الاستغراق في التفاصيل التي تضيع
معها المقاصد. وموضوع إحلال الحرف اللاتيني محل الحرف العربي
لا ينبغي أن يكون بمنأى عن تصور حاكم.
وعن هوية الثقافة العربية كتب أحمد أبو زيد أن «المقومات
الثلاثة الرئيسة» هي: اللغة والدين والتراث. (أحمد أبو زيد،
2004م، ص 21 وص44). وفي حالة الثقافة العربية فإن هذه
الثلاثية ليست متوازية بل متداخلة متمازجة. والخلل في أحد
أركان الهوية العربية يصيب بقية الأركان بخلل مضاعف. وعليه
فالبحث في واحد من أركان الهوية لا ينبغي أن يغيب عن سائر
أركانها.
وهناك ثلاثية معاكسة مؤتلفة من ثلاث دعوات مترابطة، يترتب
اللاحق منها على السابق، هي: الدعوة إلى العامية، والدعوة
إلى الحروف اللاتينية، والدعوة إلى التغريب. ومن الضرورة
المنهجية أن ينظر إلى تلك الدعوات في كليتها، غير منفصلة
إحداها عن الأخريين.
مصطلحات
الألفباء: مجموعة من الحروف يستعان بها في كتابة اللغة.
ويطلق على ترتيب نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر «الترتيب
الألفبائي».
الأبجدية: مجموعة الحروف مرتبة ترتيبًا قديمًا، استعمل لحساب
الجمل، يسمى «الترتيب الأبجدي».
التهجئة: وسيلة تعليمية للنطق، تعتمد على تجميع الحروف
لتكوين الكلمات. وهي أيضًا تقطيع الكلمة إلى حروفها المكونة
لها، مع نطق هذه الحروف حرفًا حرفًا. وحروف التهجئة هي نفسها
الألفباء أو الأبجدية. (راجع هذه المصطلحات في الموسوعة
العربية العالمية، المداخل المذكورة).
الخط: اصطلاح يستعمل بمعنيين: بمعنى الألفباء أو الأبجدية،
فيقال الخط اللاتيني والخط الديموطيقي والخط العربي، وهكذا.
والمعنى الثاني: الفن التشكيلي الإبداعي، فيقال الخط الفارسي
والخط الديواني وخط النسخ وخط الثلث، وهكذا. والمعنى الثاني
لا يتصور ولا يكون إلا في وجود الأول.
نظرة تاريخية
بعدما دخل المسلمون الأندلس، لم تمض ثلاثون سنة حتى أصبح
الناس «يخطون الكتب اللاتينية بأحرف عربية، كما كان يفعل
اليهود بكتبهم العبرية. وما انقضى عمر رجل واحد حتى ألجأتهم
الحاجة إلى ترجمة التوراة وقوانين الكنيسة إلى العربية،
ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها». (مصطفى صادق الرافعي،
1997م، ج1، 293). وهنالك لم يقل أحد بعدم صلاحية الحروف
العربية لكتابة اللغة اللاتينية. ويستفاد من النص السابق أن
إلغاء الكتابة بأبجدية لغة معينة يجعل ما كان قد كتب بها غير
ذي معنى في غضون جيل واحد فقط.
وبعد ثمانية قرون حدث أن «كان المتنصرون من المغاربة في ذلك
العهد ـ أيام محاكم التفتيش ـ يكتبون العربية بأحرف إسبانية،
وهم أذلاء محتقرون من أنفسهم ومن المسيحيين، فحظر عليهم
فيليب الثاني سنة 1556م استعمال العربية». ( السابق، ص 300).
إنما يتذكر أول الألباب
صورة «الخط الجديد» للزهاوي سنة 1896م يتجلى فيها العدوان
على الإبداع والجمال والهوية معًا.
أما في المشرق فقد تأخر الهجوم الجريء على العربية والخط
العربي إلى أن دب الضعف في الدولة العثمانية. ففي سنة 1896م
نشرت مجلة المقتطف اقتراحًا لجميل صدقي الزهاوي سمّاه «الخط
الجديد» (عبدالجبار القزاز، 1981،190). وأعجب ما في موقف
الزهاوي أنه كان مدركًا تمامًا أن «القرآن الكريم وكتب
الحديث مكتوبة بخطنا القديم، فإذا تبدل الخط اقتضى أن يبدل
خط القرآن وكتب الحديث». كما أنه كان مدركًا أنه إذا شاع
اقتراحه بتبديل الخط فإنه لن يبقى أحد يقرأ الخط العربي،
«فتعطل كل كتبنا العلمية والأدبية كأن لم تكن شيئًا
مسطورًا». ولم يجد الرجل كلامًا يدفع به المخاوف، سوى أن
يقول إنها اعتراضات بمعزل عن الصواب. (السابق نفسه).
أما كارل فولرس K. Vollers الذي تولى إدارة دار الكتب
المصرية خلفًا لولهلم سبيتا Wilhelm Spitta، فقد طالب بنبذ
العربية الفصحى وبضرورة الكتابة بالعامية، ووضع كتابًا أسماه
«اللهجة العربية الحديثة» لم يطالب فيه بإحلال العامية محل
الفصحى فحسب، بل باستعمال الحروف اللاتينية لدى كتابة
العامية أيضًا!
والمستشرق الإنجليزي سلدون ولمور Seldon Willmore الذي تولى
القضاء بالمحاكم الأهلية بالقاهرة إبان الاحتلال البريطاني
لمصر، أصدر في 1901م كتابًا يدعى «العربية المحلية في مصر»
طالب فيه باتخاذ العامية المصرية لغة أدبية بدلاً من الفصحى
ووضع قواعد لها. ودعا إلى كتابتها بالأحرف اللاتينية. وكما
لم يجرؤ أحد من دعاة العامية على كتابة آرائه وأفكاره في أي
من كتبه باللهجة العامية، بالمثل لم يكتب أحد دعاة الحروف
اللاتينية أو غيرها كتابًا بالحروف المقترحة، لأنه يعلم قبل
غيره أنه بذلك يحكم على كتابه بالموت ساعة ولادته.
وبعدما تبين تهافت الدعوة إلى العامية، علا صوت رديف يدعو
إلى استخدام الحرف اللاتيني. ففي باريس ( كوليدج دي فرانس )
ألقى المستشرق الفرنسي«لويس ماسينون» محاضرة في جمع من
الشباب العربي عام 1929م، جاء فيها: «إنه لا حياة للغة
العربية إلا إن كتبت بحروف لاتينية».
وفي العام نفسه 1929م نشرت مجلة «لغة العرب» السؤال الآتي:
«ما رأيكم في تبديل الحروف العربية من الحروف اللاتينية»؟
وأردف صاحب السؤال أنه من القائلين بتبديلها لأنها في نظره
«عقبة كأداء في سبيل تطورنا الأدبي والاجتماعي». (عبد الجبار
القزاز،1981م، 196). وجاء الجواب من الأب أنستاس الكرملي أنه
«في تصوير كلامنا العربي بحروف لاتينية منافع ومضار». لكن من
أهم ما جاء في رد الكرملي أنه كان واعيًا بدور القوة القاهرة
في فرض الهيمنة الثقافية لنمط بعينه، فقال: «ونحن نرى أنه
يأتي يوم تشيع لغة واحدة في العالم كله، وهذه اللغة تكون
لسان الأمة القهارة الجبارة.. إذًا لا بد من كتابة العربية
بحروف لاتينية، شئنا أم أبينا». (السابق نفسه). وانظر مناقشة
جذور الفكرة في (محمد محمد حسين، 1956م، الجزء الثاني، ص 357
وص 363 )، فكل من جاء بعده ناقل عنه في هذا الموضوع.
وقد تحمس لهذه الفكرة وتبناها عبدالعزيز فهمي، فدعا إلى
(إحلال) الحروف اللاتينية محل الحروف العربية، وطرح فكرته
هذه في الجلسة التي عقدها مجمع اللغة العربية في 3 مايو سنة
1943م (نفوسة زكريا، 1964م، 208).
وكانت قد أشيعت الشكوى من صعوبات الرسم الإملائي العربي،
لدرجة أن لائحة مجمع اللغة العربية نصت على أن من مهام
المجمع «البحث في أمر تيسير الكتابة العربية». ولكن ربما غاب
عن الكثيرين أن اللائحة لم تنص على «وأد الكتابة العربية»
ولا على «استعارة كتابة تحل محل الكتابة العربية».
وقد أعلن المجمع عن جائزة مالية لمن يقدم اقتراحًا. وتسابق
الناس باقتراحاتهم - كما يتسابقون اليوم بمبادراتهم
(الديموقراطية)- ثلاثة وعشرون اقتراحًا رفضها المجمع كلها.
صورة تمثل محاولة لتبسيط الكتابة للمبتدئين، وتبرز الفارق
بين التبسيط والإلغاء.
اقتراح عبدالعزيز فهمي
قدم عضو مجمع اللغة العربية عبدالعزيز فهمي إلى مؤتمر المجمع
في جلستي 24 و31 يناير سنة 1944م ورقة عنوانها: «اقتراح
اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية». وطبعت الورقة
بالمطابع الأميرية في فبراير 1944م.
ومما يسترعي الانتباه أن عبدالعزيز فهمي قدم اقتراحه في 39
صفحة، لكنه سود في الدفاع عن الاقتراح 136 صفحة. ويبدو من
ردود العلماء وأصحاب الأقلام أن الرجل كان مبجلاً في القوم،
فلم يكن متهمًا في دين ولا خلق ولا وطنية. لكنه حقًا صدم
الناس باقتراحه ذاك أي صدمة. ومرد هذا الشعور بالصدمة قد
يكمن في أمرين أساسيين:
أولهما: أن هذا الاقتراح ليس من ابتكار عبد العزيز فهمي، بل
سبقه إليه «داود الجلبي الموصلي» سنة 1905 ميلادية. فقد نشر
في تلك السنة «رسالة بالتركية في» إستانبول حث فيها الترك
والعرب والإيرانيين على استعمال الحروف اللاتينية» (محمد
شوقي أمين 1977م، 28).
بعدها برزت دعوة المستشرق الفرنسي«لويس ماسينون» : «لا حياة
للغة العربية إلا إن كتبت بحروف لاتينية».
الأمر الثاني: أن صورة كمال أتاتورك - الذي ألغى سنة 1924م
الخلافة والحروف العربية والأذان- قد صارت مرادفًا للعداء
الصريح للإسلام والعروبة. فكيف يجرؤ شخص على اقتفاء آثار
أتاتورك في إحلال الحرف اللاتيني محل الحرف العربي؟ وإذا
كانت المسالة خاصة بحروف الكتابة فلماذا منع صوت الأذان
بالعربية؟! راجع (لوثروب ستودارد،1971م، ج3، ص ص 389-393) .
وقبل ماسينيون، وقبل أن يتقدم عبدالعزيز فهمي باقتراحه، كان
المستشرق الأمريكي «ريتشارد لوتهيل» قد كتب في مجلة الهلال
سنة 1902م يرفض كل محاولة لكتابة العربية بالحرف اللاتيني،
ويسفّه كل دعوة إلى ذلك. أما المستشرق الإيطالي «كارلو
ناللينو» فقد فند الفكرة من أصلها، واعترض عليها في مجلة
الهلال أيضًا سنة 1936م (السيد رزق الطويل، 1986م، ص 104-
107).
كان من أبرز الذين تصدوا للرد على الفكرة وتفنيدها «عباس
محمود العقاد» عضو مجمع اللغة العربية آنذاك (عباس محمود
العقاد، 1982م، ص 9، ص 37- 42) و(العقاد 1988م، ص 64- 67)
وعبد الوهاب عزام وأحمد تمام، موقع islamonline))، ومحمود
محمد شاكر(محمود محمد شاكر، 2003م، ص258- 264 ). وقد افتتح
عبدالعزيز فهمي كتابه بوصف خصومه بأنهم «الدهماء» أو يصانعون
الدهماء. ( ص 2). لكن عندما تحفز المستشرق هاملتون جب «Gibb»
لإيصاد الباب في وجه الاقتراح، قال عنه عبد العزيز فهمي إنه
رجل من أهل التدقيق والتحقيق، وإن الرجل العظيم لا يرضى عن
نفسه إلا إذا حمّلها أشد المشاق (ص 178).
ورفض الفكرة كذلك «متى العقراوي» سنة 1945م، ونعتها بأنها
«انقلاب». (عبد الجبار القزاز،1981م، ص 206-207). كما رفضها
أيضًا «منير القاضي» سنة 1958م ووصف الأسباب والعلل الداعية
إلى استبعاد الرسم المعمول به وإحلال الحروف اللاتينية محله
بأنها أسباب «تافهة كل التفاهة، وعلل هي علل وأمراض انتابت
قلوب الذاهبين إلى هذا الرأي» (السابق ص 218).
الحروف المقترحة لعبدالعزيز فهمي.
ملاحظات على اقتراح عبدالعزيز فهمي وكتابه :
- قدم الاقتراح في صيغة الجزم واليقين الذي يجافي روح النظر
العقلي والتأمل الواقعي للأمور. وصيغ الاقتراح بشكل طموح
مبالغ فيه، فقد توقع أن تزول كل الصعوبات دفعة واحدة، وأن
تسلس القراءة للصغار والكبار، عربًا وعجمًا، مثقفين وعوام.
(عبد العزيز فهمي (د.ت) ص10).
- إن شكوى المستشرقين من عسر القراءة لا يمثل ضرورة تلجئنا
نحن إلى اتخاذ حروفهم اللاتينية لكتابة لغتنا العربية.
- تكلم المؤلف عن وعورة اللغة العربية، ودلل على ذلك بكلام
كثير عن اختلاف لغات العرب. ولم يتبين من كلامه أية علاقة
للناطقين بالعربية اليوم بحكاية لغات العرب الأقدمين. ألسنا
اليوم أمام لغة هي في وصف القرآن «بلسان عربي مبين»؟ أليس ما
حواه القرآن هو لسان العرب الذي لا يُعلم لسان سواه؟
- ما شأننا اليوم بلهجات العربية الأولى؟ وما دخل هذا باتخاذ
اللاتينية لرسم العربية؟
- لماذا لم يكتب المؤلف كتابه بالحروف التي يقترحها، ثم
لينظر أيقرأه أحد من الناس أم لا؟ ما أشبه موقفه هنا بموقف
الداعين إلى الكتابة بالعامية. لقد كانوا يكتبون بالفصحى
كتبًا تروج لاتخاذ العامية لغة للكتابة والتعليم!!
ـ وقع المؤلف في خطأ مزدوج عندما قال على سبيل الحصر
والتوكيد: «إن الكتابة الحالية إنما تصلح لتصوير العامية
فقط». فهل كان يقبل ضمنًا بأن تصير العامية هي اللغة
المكتوبة؟
- يعزو المؤلف صعوبات القراء كلها إلى الرسم الإملائي وحده
(ص 35). والحق أن الرسم لا يمثل سوى قرينة واحدة من مجموعة
قرائن تتضافر ليكوّن منها القارئ معنى المقروء.
- إن الرسم الإملائي لون من الاصطلاح. ومن شرائط المصطلح
الجيد «الشيوع» و«الملاءمة». فأما كتابة اللهجة الدارجة فقد
عرف من المحاولات أنها غير ملائمة. وأما كتابة الكلمات
العربية بحروف لاتينية فهذا شأن بعض المستشرقين، وما يفي
بأغراض المستشرقين لا يفي بأغراض أبناء العربية.
- يتكئ المؤلف على عبارة يكررها ويتشبث بها، هي قول علي
الجارم: «إنك إن لم تكن لغويًا نحويًا صرفيًا معًا لعجزت عن
أن تكون قارئا أو شبه قارئ». (ص 38). ولن يخفى على اللبيب أن
قائلها إنما قالها على سبيل المبالغة والتهويل. ولو كانت
عبارة الجارم تُفهم على حرفيتها لما أمكن للجارم نفسه أن
يكون قارئًا أو شبه قارئ. - الاستناد إلى لائحة مجمع اللغة
العربية لا يمكن أن يعني إلا البحث في سبل «تيسير الكتابة»،
وليس إلغاء رسم الكتابة العربية إلغاء ينفيه من الوجود إلى
مصلحة الآثار.
- يعلمنا التاريخ أن لوثر في ألمانيا قد كافح من أجل كتابة
الأناجيل بلغة الجماهير. واقتراح كتابة العربية بالرسم
اللاتيني يؤدي بالضرورة - حال تعميمه - إلى نشوء فئة من
(الإكليروس) بين المسلمين، يمكنهم وحدهم قراءة النصوص
الأصلية.
- بقدر ما جوبه به المؤلف من ردود عنيفة، كان هو نفسه
مغاليًا في تقدير قيمة مقترحه، إذ قرر أن طريقته تحقق
المصلحة أبلغ تحقيق (السابق ص 28).
ـ بدلاً من أن يعرض المؤلف اقتراحه عرضًا وافيًا، راح يكتب
مساجلات وردودًا على من عارضوه. فخرج الكتاب سجلاً للمناظرات
حول الموضوع، من غير تفصيل وبيان لفحوى الاقتراح وكيفية
نزوله إلى واقع الأداء اللغوي.
الطريقة المقترحة لكتابة العربية بالحرف اللاتيني لعبدالعزيز
فهمي
- أساس الاقتراح هو إظهار حركات الإعراب في رسم الكلمات
بحروف تدل على الفتحة والضمة والكسرة والسكون. وقد تجاوز
واقع الأداء اللغوي المعاصر عن تحقيق ضبط أواخر الكلم، لأن
حركات الإعراب ليست سوى قرينة واحدة من بين قرائن شتى تعين
على تفهم الكلام.
ـ كان من المناسب أن يخرج عبدالعزيز فهمي اقتراحه في ثوب من
التواضع يليق بتواضع مضمون الاقتراح نفسه. وكان الأجدر به -
إن كان مصرًا ـ أن يجعل لاقتراحه عنوانًا من قبيل: «اتخاذ
الحروف اللاتينية لرسم ثلثي الكتابة العربية»، لأن الرجل بعد
كل العناء أبقى على تسعة أحرف عربية كما هي. كما أبقى على
علامات التنوين العربي كما هي ( ً ٌ ٍ) كذلك أبقى على علامة
التضعيف (الشدة) ( ّ). وإذا تخيلنا الحروف اللاتينية مزينة
بعلامات تنوين الفتح والضم والكسر، فالأمر يكون قد خرج من
الجد إلى الهزل.
- فات صاحب الاقتراح أن اللغة أعراف ومواضعات، وليس في مقدور
أحد أن يقلب الأعراف بمجرد اقتراح. كما فاته أيضًا أن اللغة
تشيع بالاستعمال لا بالاقتراحات.
- إن مفهوم البساطة ليس مرادفًا لمفهوم السهولة. والقاعدة
اللغوية الأبسط ليست دائمًا هي الأسهل في الاستعمال. ألم يكن
من الأبسط في الإنجليزية إلغاء حرف (S) في المضارعة مع
المفرد؟ وألم يكن من الأبسط أن يصاغ الماضي من كل الأفعال،
والجموع من الأسماء، على قاعدة واحدة مطردة؟
- تحدث المؤلف عن أن هاديه الوحيد هو عقله، لكنه في الصفحة
العاشرة من كتابه المكون من 186 صفحة يقفز فجأة وبدون مقدمات
كافية إلى القول: «فكرت جديًا في الأمر وقلبته على كل وجوهه،
فاتجه فكري إلى النظر في اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم
العربية. فنظرت واستيقنت أن لا محيص من هذا الاتخاذ، إنقاذًا
للعربية من مساوئ رسمها» . هذا الكلام قيل في ظل الاحتلال
الغربي لبلاد العرب، وما يصاحب الاحتلال من «امتيازات»
للغربيين في المجتمعات العربية. ولو كان الوضع معكوسًا لرأى
كثير من أصحاب المقترحات أن الرسم العربي هو أصلح رسم لكتابة
اللغات قاطبة.
- من قال إن نظام الكتابة لابد أن يخلو من المصاعب؟ أليس من
الجائز أن يكون أحد أنظمة الكتابة - برغم مثالبه - هو أنسب
النظم لكتابة لغة بعينها؟
- يمثل المؤلف لمصاعب الرسم العربي بأن العربية تختزل أربع
كلمات في رسم كلمة واحدة، مثل: «علمتنيه». فمتى كان الاختزال
عيبًا ونقيصة؟
- ذكر المؤلف العنت الذي يعانيه المثقفون في تلاوة القرآن.
وغاب عنه أنه عنت ناشئ عن قلة المران والتدريب والممارسة.
وغاب عنه أن تلقي القرآن لا شأن له بالرسم، لأن للقرآن
خصوصية في تلقيه. فمن أراد أن يكون ماهرًا بالقرآن فلابد له
من عمليتي (التحمّل والأداء) أو التلقي والعرض. التلقي عن
حافظ متقن، ثم العرض عليه.
- كل ما قيل عن الصعوبات في الطباعة صار كلامًا غير ذي
موضوع، وبخاصة بعد تطور تقنيات الطباعة. وبفضل تزاوج تقنيات
الليزر والحاسوب صار من الميسور طباعة كل ما يمكن تصوره من
حروف وأشكال ورموز، مهما كانت الأحجام والأوضاع والتشكيلات.
- لم يحدث قط أن تخلى قوم عن رسم كتاباتهم إلى رسوم غيرهم
بدعوى الرغبة في ذيوع اللغة بين غير الناطقين بها.
- قيل عن الاقتراح إنه يهدف إلى «تخطي المشكلات العديدة التي
تواجه الكتابة بالحروف العربية من ناحية، وتوسيع دائرة
انتشار اللغة العربية حتى تصل إلى أركان الدنيا كلها من
ناحية ثانية». ترى هل انتشرت اللغة التركية في أركان الدنيا
كلها؟!
- بعدما أطال المؤلف الكلام عن مثالب الحروف المنقوطة في
العربية، وعن عدم أمن اللبس بسببها وبسبب الحروف المتشابهة،
إذا هو يثبت في اقتراحه الإبقاء على رسم الحروف (ع غ ط ظ ج ح
خ) كما هي، بما فيها من التشابه والنقط. (ص 184). فكيف يظل
عنوان الاقتراح - برغم ذلك - «الحروف اللاتينية لكتابة
العربية»؟
ـ ترى هل تبقى أسماء الحروف التي غيرت إلى الرسم اللاتيني
على تسميتها العربية؟ هل نسمي حرف(S) السين، أم هل نسمي حرف
(Q) القاف؟ وفي ظل واقع تدريس اللغة الإنجليزية بالمدارس
الحكومية الرسمية من الصف الأول الابتدائي، هل يمكن تعليم
الطفل نظامين للأبجدية بينهما تشابه ظاهري، مع الاختلاف في
تسمية الحروف، ومع الاختلاف في طريقة استعمالها؟
- كيف يميز الحرف اللاتيني المقترح بين كتابة (على) و(علا )،
أو بين (عصا) و(عصى)؟
- لقد وضع اقتراح عبدالعزيز فهمي أمام مرآة مقعرة، بحيث يخيل
أنه من الضخامة ما يبدو معه أضعاف أضعاف قدره في واقع الأمر.
- إن الكتاب قطعة أدبية بديعة النسج. وهو في الآن نفسه
محاورة ذهنية بارعة السبك. لكن المؤلف حام حول فكرة ولم
يبلغها. والمضمون الفعلي للاقتراح يفتقر إلى القدرة على
الإقناع.
- هدم الرجل اقتراحه بنفسه عندما قال: «والذي عنّ لي، بعد
طول التفكير، أن الهمزة والجيم والحاء والخاء والصاد والضاد
والطاء والظاء والعين والغين، هذه الأحرف العشرة يجب أن تؤدى
برسمها العربي نفسه. ومن المصادفات أن هذا الرسم يتمشى مع
رسم الحروف اللاتينية ويتسق معها كل الاتساق». (ص 155).
ـ الحرف اللاتيني لن يبقى لاتينيًا، وإنما سيصبح بالضرورة
تلفيقًا، إذا أريد له أن يصور مخارج النطق العربي.
- تتجه كتابة الكلمة بالحرف اللاتيني من الشمال إلى اليمين،
فهل يكون تتابع الكلمات كذلك من الشمال إلى اليمين؟ لم ينص
في الاقتراح على شيء من ذلك، لكن النموذج الوارد في ص 186
يدل على ما اختاره صاحب الاقتراح
المصدر مجلة المعرفة

