منتديات الإنترنت والاتصال المفقود: 90% من الشباب يستخدمون الإنترنت يومياً للتسلية والترفيه
"أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك"
نشر في موقع BBC بتاريخ 2001/7/6م :( أن باحثين يدرسون العلاقات الإنسانية عبر شبكة الإنترنت خلصوا إلى أن احتمالات كذب بعض الأشخاص على الإنترنت أكبر من احتمالات كذبهم إذا ما واجهوا غيرهم وجها لوجه،
كما وجدوا أن احتمالات تغيير أي مستخدم للإنترنت لهويته الحقيقية مثيرة للدهشة،فالإنترنت توفر الغموض، الذي يكون ضروريا في بعض الأحيان مثل مناقشة القضايا السياسية والثقافية أو بعض القضايا الحساسة، لكن هذا الغموض يمكن استغلاله أيضا لتحقيق مكاسب عاطفية، شخصية أو مادية.
وتقول "جوديث دوناث" مديرة جماعة أبحاث وسائل الإعلام إن توخي الحذر ضروري، لكنه ليس سهلا على شبكة الإنترنت، وأن في الواقع كل شخص له هوية واحدة واضحة، لكن على الإنترنت لا يوجد ما يلزم المستخدمين بأن تكون لهم هوية واحدة وإنه في المستقبل ربما تشتد الحاجة للجوء لتوقيعات أصلية معترف بها للدخول على الشبكة) ما حقيقة ما يوفره الإنترنت لمستخدميه من مساحة الإساءة الى الآخر ؟
وهل ساعد الغموض الموفر لمستخدم الإنترنت على ازدياد معدل العنف اللفظي؟ وهل استطعنا استثمار استخدامنا للإنترنت بما يعزز جدوى الاتصال بالآخر ؟
- الإنترنت والشباب:
أوصت دراسة دكتوراة للباحث (حمد الهاجري) وعنوانها (شبكة الإنترنت وتأثيرها على الشباب السعودي- دراسة ميدانية لمقاهي الإنترنت في مدينة الرياض) بأهمية التعامل مع الإنترنت كتقنية موجودة ومستمرة واعتماد أسلوب الحوار والنقاش وتبادل الآراء مع الشباب باعتباره من انجح الأساليب في التعامل مع الأفكار والاتجاهات مع اعتماد تدريس مادة الإنترنت وإيضاح مخاطرها وإيجابياتها وكيفية الاستخدام الأمثل لها في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية وتنمية رقابة الضمير لدى الشباب بالتثقيف والتربية والتوجيه المناسب حيث إن الرقابة الذاتية تتطلب وعياً عالياً وإيمانا إضافة إلى المتابعة المستمرة من الأسرة).
وحسب ما نشرت جريدة الجزيرة في عددها الصادر في 11إبريل 2004م فقد كشفت الدراسة (أن الشباب السعودي يعيش وقت فراغ في اليوم الواحد تتراوح مدته مابين 2إلى 4ساعات يستحوذ الإنترنت على نصيب كبير منه مشيرة إلى ان أكثر من 9% من الشباب يستخدمون الإنترنت أربعة أيام في الأسبوع وذلك في مقاهي الإنترنت.
وبين الهاجري أن اهتمامات الشباب في التعامل مع الإنترنت تتباين بين البحث عن المواد الإباحية التي تصدرت تلك الاهتمامات ثم فرز البريد الإلكتروني ومعرفة ما يجري في العالم والتسلية والترفيه والمحادثة).
أود هنا أن اركز على التسلية واتساءل ما مفهوم شبابنا للتسلية عبر الإنترنت؟ وماذا عن نشر وترويج الأخبار الكاذبة والإساءة الى الشخصيات العامة في المجتمع ؟كيف يمكن وصفها أهي من باب التسلية أو يمكن إدراجها في باب جرائم النشر؟ فما ينشر من أخبار بقصد الإساءة يفترض أن يعاقب عليه القانون ؟ هل استطاع شبابنا وعي مسؤولية هدر الوقت فيما لا ينفع؟ وهل يمكن أن يكون الإنترنت هو البديل لحوار اسري مثلا ؟ وكيف يمكن لنا كمجتمع أن نتخلى عن الدور التنويري لما استقبله المجتمع كتقنية جديدة ؟
- المستحدث ثقافي:
يفسر علم الاجتماع دخول أي منتج ثقافي مادي أو معنوي في أى مجتمع من المجتمعات على انه مستحدث جديد يحتاج الى ثلاث مراحل لينصهر ثقافيا في المجتمع .
المرحلة الأولى :وجود عوامل دافعة لهذا التغير والمرحلة الثانية وجود عوامل مصاحبة لهذا التغير والمرحلة الثالثة وجود عوامل تقف ضد التغير.
ونحن فيما نشهده من الاستخدام السيىء للإنترنت نعتبر في المنتصف المرحلي حيث الحراك الاجتماعي وهي مرحلة حاسمة بعدها يتم الانتقال للمرحلة الثالثة في حال الفشل او يتم الانتقال الى مرحلة التكيف في حال النجاح لاستقبال المنتج الثقافي الجديد،
وفي استعراض سريع لمنتديات الإنترنت المشهورة لدينا كمجتمع سعودي نجد أن بعضها يفرد مساحات لنشر شائعات حول الشخصيات العامة كما يتم التعرض الى مؤسسات أهلية أو حكومية بعينها وكل ذلك في جو مفعم بالغموض حيث المشاركة بالاسم المستعار، ومع كل ما يؤمنه الاسم المستعار لصاحبه من الحرية إلا أن استغلال ذلك لا يمكن أن يوصف إلا بالعدوانية تجاه الآخر وبالعنف، كما أن نشر المعلومات السيئة أو المغرضة عن أشخاص بعينهم بقصد تأليب المجتمع عليهم هو إرهاب اجتماعي .
ويمكن أن نعتبر انتشار المنتديات جزءاً من عملية الحراك الاجتماعي ولا أظنها ستستمر كظاهرة طويلة حيث إن انشاء منتدى عبر الإنترنت وفق استراتيجية محددة وكمشروع ثقافي اجتماعي يختلف عن مجرد انشاء موقع واستقطاب الزوار والمشاركين لاجل النقاش في مناخ عدائي تنتشر فيه الشللية بشكل مهدر للطاقة، وبما يعيق ولادة أي مشروع فكري.
- الترفيه في المقدمة :
حسب ما ذكره الزميل خالد الفرم في دراسته "شبكة الإنترنت وجمهورها في مدينة الرياض.. دراسة تطبيقية على ضوء نظرية الاستخدامات والإشباعات".. فانه (نظرا لحداثة هذه الأداة "الإنترنت" فقد استغل فيها الجانب الترفيهي البحت أي أنها لم تستغل بشكل كبير معرفيا أو تجاريا بل احتلت الإشباعات العاطفية والاجتماعية نسبة كبيرة جدا من الإشباعات التي يبحث عنها مستخدم الإنترنت مشيرا إلى أن هناك أيضا إشباعات معرفية للمستخدمين الذين نجد أن نسبة أكثر من 50% منهم يستخدمون الإنترنت للبريد الإلكتروني، وحوالي ثلث المستخدمين يستخدمون الشبكة لما يسمى بالشات أو المحادثة الإلكترونية فالمجتمع السعودي مجتمع محافظ ومتمسك بتقاليده الإسلامية والعربية والإنترنت تعتبر ملجأ كبيراً للعلاقات الاجتماعية والعاطفية والتعرف على الآخرين.
وأما الإشباعات المعرفية واستثمار الشبكة كقناة معلوماتية اتصالية ضخمة فلم تأخذ مكانها الصحيح بين المستخدمين ربما لأن هذا يعود إلى عدم وجود حملات إعلامية ترغب في دخول أو استخدام هذه الوسيلة وكذلك عدم توفر حملات إعلامية واكبت دخولها موجهة للمستخدمين والأسر والمدارس تبين محتويات هذه الشبكة وإمكاناتها).
كما كشفت دراسة أجرتها شعبة الحاسب الآلي بالإدارة العامة للتعليم بالرياض ونشرتها جريدة "الجزيرة" في عددها (10683) شملت 78طالباً من خمس مدارس ثانوية في أحياء مختلفة) أن الطلاب ينفقون 7500ريال أسبوعياً على الإنترنت على الأقل ،واوصت الدراسة بأن تكون مقاهي الإنترنت تحت رقابة مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وان يمنع دخول الطلاب للمقاهي دون سن معينة وليكن 18عاما ، كما أوصت بنشر الوعي لدى الطلاب حول خدمة الإنترنت مع إرشادهم إلى المواقع النافعة والهادفة وضرورة تبني قطاع التعليم لمسؤولية انشاء مواقع تربوية وتعليمية وثقافية موجهة للنشء ودعم تلك المواقع بالكوادر البشرية والدعم المادي إيمانا بأهمية تلك الخدمة ، وأبانت الدراسة أن المواقع الترفيهية احتلت المركز الأول بين المواقع الأكثر زيارة وجاء في آخر القائمة المواقع التقنية).
هنا تبرز إشكالية ارتفاع معدل استخدام الإنترنت وهدر المال والوقت من قبل الشباب الذين يشكلون ما نسبته 8% من المجتمع ...
كل ذلك وتنحصر آليات الاستخدام في تبادل الرسائل ثم المحادثة ، وهذا يعني تعطش الشباب لدينا الى معرفة الآخر والتواصل معه،في ظل عدم إمكانية توفر قنوات اتصالية جيدة في المجتمع يمكن أن تكون مؤسسة للحوار بين الشباب في إطار لا يختلف عن القيم الإسلامية.
إن للاتصال أهمية وخطورة فأدواته تسهم في تنمية ثقافة المجتمع .خاصة وان منتديات الإنترنت تتيح اتصالاً مزدوجاً ليس فقط بين فرد وفرد ، بل بين فرد وجماعات، وبين جماعات وجماعات.
سيكولوجية الاتصال :
الناس في مجتمعنا ينقسمون ما بين مهتم بما ينشر في المنتديات ومتخوف من آثرها في النقل السريع للشائعة وهذا النوع عادة لا يدخل المنتديات بل تطبع له موادها فيقرأها ومن هنا فالمعلومة تأتيه ناقصة والصورة غير مكتملة العناصر وما بين مهمل لها فلا يزورها ولا يشارك بها ،وفئة أخرى تدرك معنى وجود المنتديات فتقرأ وربما تشارك ولكنها تتفهم سيكولوجية المشاركين واختلاف مشاربهم ونفسياتهم .
ونحن لا نستطيع الجزم بفائدة المنتديات أو ضررها على العموم لكننا نؤكد أنها وسيلة اتصال فاعلة تتيح للمشارك فيها خاصية التعبير بحرية حتى وان كانت حرية منفلتة تسيء الى الآخرين ولكن يبقى التخوف من تحول الأخبار في منتديات الإنترنت الى مؤثر في الرأي العام بسبب عدم اهتمامنا بأهمية التوثق حيث لا يعتبر الإنترنت في مجمله أداة توثيق إذ يعتمد ذلك على نوعية المواقع ومنشئيها فلا تتساوى المواقع الرسمية او المعروفة بالمواقع التي لا يعرف مؤسسيها وتوجهاتهم الفكرية .
والمهم أن هذه الوسائل الاتصالية كما تقول الدكتورة أمل المخزومي (لم تعد قاصرة على نقل الحدث أو المعلومات، ولا حتى القيام بتفسيرها فحسب، ولكنها تقوم بصنع الحدث نفسه وصياغة القرار الذي يتعلق بالحدث المعني بما يحمله من قيم وأفكار ومبادئ لها قدرة على الثقافة بمعناها العام.
إن ما توفر للإنسان اليوم من تقنيات حديثة أسهم بصورة فاعلة في ترسيخ القيم أو زلزلتها مما ساعد في بناء الإنسان أو هدمه
ومع انها أدت دوراً بارزاً في تقرير التفاهم والتقارب بين الشعوب، ولكنها أيضاً أسهمت في تشويه كثير من الحقائق حول الآخرين بالتعتيم المتعمد على قضاياهم، وتزييف الواقع وفق الأهداف والأطماع التي يملكها صاحب الرسالة).
والسؤال ماهي رسالة بعض منتديات الإنترنت وما هو هدفها ؟
ولماذا لا نسأل شبابنا المنغمس فيها عن وقته المهدر لماذا يهدره ؟
وما هي إيجابيات النقاش في المنتديات في ظل عدم وجود استراتيجية ورؤية واضحة للمنتدى ؟
هل تتغير آراؤنا بمجرد نقاشنا في المنتديات ؟هل تتغير حياتنا ؟ أم انه نوع من العبث والتسلية الفارغة من الإفادة !!
الحق أن هناك قلة من المنتديات لها توجه واضح ولكن من الصعوبة وسط كثرة الأسماء المستعارة أن يوجد مناخ إيجابي للحوار دون أن يتحول الحوار غالبا الى السخرية والانفعال والنيل من الآخر.
ثقافة المجتمع :
في احدى حلقات ندوة الثلاثاء المميزة والتي أعدها الزميل حمد الفحيلة ونشرتها "الرياض" عن الانترنت ذكر د. عبد الله الحمود :(أن استخدام الإنترنت سلباً يعني أن يكون هناك أصلاً انحراف فكري لدى الشخص أو انحراف سلوكي لديه. والجانب الثاني أن يشعر بانعدام رقابة المجتمع له. فإذا توفر هذان الجانبان لدى الشخص أصبح من السهولة أن يمارس عملية اتصالية تعود على المجتمع بويلات ونكبات كثيرة. وكان في السابق يمارس هذا الدور من خلال اجتماعات بسيطة وصغيرة مع جماعات الأقران والأصدقاء وبث سموم كثيرة، ونحن نعرف أن كثيراً من الاشكالات التي خرجت الآن من المجتمع هي نتيجة تكتلات وتجمعات تحت الأسقف وبين الجدران وفق نمط اتصال مباشر شخصي. الآن أتيح لمثل هذه الكيانات المنحرفة سلوكياً وفكرياً أن يكون لديهم وسيلة جديدة للاتصال. ومن وجهة نظرهم باعتبار أنه يمكن أن أدخل في مواقع بأسماء مستعارة لا يعرف من أنا ويمكن أن أمارس هذا السلوك في أماكن معينة لا يمكن الوصول إليها).
وكمثال تأكيدي لما ذكره الدكتور فانه من الملاحظ انه عندما تسمح الأم لطفلها أن يقطع الورد لان حارس الحديقة غير موجود وليس هناك أحد في الحديقة فهي تعلمه التكتم والتخفي وتقوم بايصال رسالة له انه لا مانع أن ترتكب الخطأ ما دام الناس لا يرونك، ومن هنا لا ينظر الطفل الى الأمور الخاطئة بجدية ولا يعرف قوانين العيب ألا ما يمكن أن يحددها الناس إن عرفوها .
البعض في الانترنت يشابه ذاك الطفل الذي لا يعرف قوانين الخطأ وليس لديه رقابة ذاتية ويوفر له الاسم المستعار التخفي الذي اعتاد من خلاله فعل سلوكيات يخشى أن يفعلها أمام الآخرين ما الحل؟:
لا شيء يمكن أن يوقف مؤشر معدل استخدامنا للإنترنت المستمر في ازدياد فبحسب استطلاع قامت به وحدة خدمات الإنترنت في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية حيث جمعت آراء المستخدمين عبر استبانة تم نشرها في موقع الوحدة إبتداء من 2مايو2002م، حتى تاريخ 24ديسمبر2002م ، وقد بلغ عدد المشاركين في هذا الاستطلاع 537مشتركا .
والملاحظ ارتفاع نسبة العزاب من مستخدمي الإنترنت حيث وصلت النسبة الى 55% كما وصلت نسبة استخدام الإنترنت من قبل الفئة العمرية ( 16- 25) إلى 40%.
واحتلت مدينة الرياض النسبة الأكبر ضمن مناطق المملكة في استخدام الإنترنت حيث وصلت إلى 53%.
هذا يجعلنا نفكر في إستراتيجية توعوية لهذا الشباب المتجه بقوة نحو استخدام الإنترنت فلا شيء يمنع أن ننشر ثقافة الإنترنت وأهمية ترشيد استخدامه للاستفادة منه اذ لا يمكن أن نحارب كم الأفكار المنحرفة المنشورة عبر الإنترنت عن طريق منع الشباب أو حجب المواقع.
إن دعم وتشجيع تقنيات الاتصال في المجتمع هو مسؤولية جسيمة فلا يمكن الصد عن الاستثمار للتقنية بل يمكننا بكثير من الوعي ان نستثمر التقنية لصالح المستقبل.
صحيفة الرياض

